حسن الأمين

296

مستدركات أعيان الشيعة

قلوب المصلين فإذا بكل واحد منهم يصيح : الله أكبر ، ثم خرجنا من المسجد بين المجتمعين فيه بين صياح : الله أكبر ، وصياح بسقوط المعاهدة ، ومشينا في الأزقة التي كانت تضيق أحيانا وتتسع أحيانا ، وكلما خطونا خطوة انضم إلينا جماعة ولم نبلغ الشارع العام المؤدي إلى قصر المفوض السامي حتى كانت الحشود قد تكاثفت ، ومن الطبيعي أنني هذ المرة لم أمسك بيد أحد يقودني بعد ذلك إلى السجن ، ثم وجهنا المظاهرة في الاتجاه الموصل إلى القصر ، ولما اطماننا إلى ذلك أسرع كل منا ركضا إلى ( الترامواي ) الهابط إلى المدينة . ولما رآنا أحد المتظاهرين نصعد مسرعين إلى ( الترامواي ) صاح بأعلى صوته بحيث سمعناه واضحا : ( وين حميتوها وهربتو ) ! ! . لقد كان هذا الصائح طريفا جدا ، وصادقا جدا ، فقد ( حميناها ) وهربنا فعلا ! . لأن شبح قانون قمع الجرائم كان يطاردنا ، ولأن تخيل سبعة أشهر سجن كان يحث خطانا على الهرب السريع ! . . وبعد القبض علي في المظاهرة الأولى لم أقع في أيدي عمال السلطة مرة ثانية لأنه لم يعد يستهويني تماسك الأيدي في المظاهرات ! . في الدراسة الثانوية وأخذ العام الدراسي يتوالى يوما بعد يوم ، وأخذ يوم الحسم يدنو شيئا فشيئا ، ومن طرائف الدراسة أن مدرس التاريخ كان عجوزا من بقايا ضباط الجيش العثماني المتقاعدين ، ونشا نشأة تعليمية بعيدة عن جو اللغة العربية ، فهو بالرغم من أنه دمشقي عريق كان يتعثر في النطق خلال الدرس باللغة الفصحى فيأتي بجمل تدعو إلى الضحك ، فكان من تعابيره مثلا ما قاله أحد الملوك الفرنسيين ، فقد أورده المدرس بهذا اللفظ . إن تلك التاج يؤلمني ! . ومن طرائف ما جرى لنا معه أنه كان يطلب منا في كل درس أن نكون مستعدين للإجابة في الدرس المقبل ، ومن الأكيد أننا لم نكن كلنا مستعدين للإجابة ، فكان متروكا للتلميذ الذي ينادي المدرس اسمه من ورقة أمامه كانت تحتوي أسماء التلاميذ جميعا ، كان متروكا للتلميذ إذا كان غير مستعد للجواب ، أن يرد على النداء بكلمة : ( غير موجود ) ، فكان المدرس يضع إشارة أمام اسمه ليعلم غيابه . وصدف يوما أن معظمنا ، بل ربما كنا كلنا غير مستعدين للجواب ، وكان الصف غاصا بالتلاميذ ، فكان كلما نودي على اسم يجيب التلميذ بنفسه : غير موجود . . . إلى أن امتلأت الورقة بأسماء التلاميذ الغائبين ، بينما كان الصف ممتلئا بهم ! . . دخول الجامعة وأقبل يوم امتحان ( الجامعة ) وجرى لي فيه في درسي الجبر واللغة الفرنسية ما قصصته على القارئ من قبل ، وانتهى الأمر بالنجاح ودخلت الجامعة ، وتحقق الأمل الذي كنت أظنه غير ممكن التحقيق ! ولم أشعر ببهجة تشبه البهجة التي عرفتها يوم إعلان النتيجة ، وإن كانت أيام البهجات أقل من القليل ! . وكان من عوامل التنغيص عقوق العاقين ، وجحود الجاحدين ، ولؤم اللؤماء ! . وحسبك أن واحدا من أولئك كنت ملازما له أيام الاضطهاد والقلة ، لا يأنس إلا بي ، حتى إذا انقطعت عنه مضطرا يومين متتابعين أرسل يبحث عني ويتساءل عن سبب انقطاعي . وصعدت وإياه يوما إلى ( الترامواي ) وسيلة النقل الشعبية الوحيدة في بيروت ثم هبطنا وسرنا مشيا على الأقدام في أوائل الليل لزيارة بعض أقربائه فمررنا تحت قصر عامر كان يشع بأنوار الكهرباء ، ويزدحم الطريق المؤدي إليه بسيارات الزائرين ، وكان رجلا لا يستطاب مجلسه ، فقلت للرفيق السائر معي على قدميه : إني لأعجب كيف يجد هذا الرجل من يجالسه ، فضلا عن أن يزدحم مجلسه ! . فأجابني رفيق أيام النضال والاضطهاد قائلا : أتعجب من أن يزدحم مجلسه بالناس وقد باع بالأمس أرضه الواسعة لليهود في فلسطين ، فقبض مئات الألوف وامتلأ وطابه بالمال ، وأصبح يرجي ويخشى ؟ أتعجب من ذلك ؟ لا ، لا تعجب فليس هنا مكان العجب ، بل العجب أن أجد أنا القليل المال ، أنا الذي لا يرجى ولا يخشى ، أن أجدك أنت تمشي إلى جانبي وتصلني في منزلي ! . . وتدور الأيام فإذا هذا الذي كنت أزامله في ركوب ( الترامواي ) وفي السير على الأقدام في شوارع بيروت ، والذي كان يكبر صلتي له في منزله حيث لا يرجى ولا يخشى ، والذي طالما استمدني عند الشدائد ، إذا به في يوم من الأيام لا يسير في الشوارع على قدميه ، بل يسير في السيارة الضخمة الفخمة التي يرف عليها العلم ! . . بينما كنت أنا لا أزال أواصل السير على قدمي في رحلة الحياة الطويلة الشاقة ، ولما جاء يوم كنت في حاجة لنجدته ، كان هو في عالم آخر يزهو بالأعوان والأنصار الجدد الذين لا يزاملونه في السير على الأقدام ، وكان إنجاده لي لا يزيد في سلطانه ، وعدم إنجاده لا يقلل من أعوانه فزوى وجهه وتجاهل الأنجاد ! . طالما سرت على قدمي مع رياض الصلح ، وطالما زاحمنا الناس معا في ( ترامواي ) بيروت ، حتى إذا انتقل هو من السير على القدمين ومن ركوب الترامواي إلى ركوب ( الكاديلاك ) ، لم يعد يذكر الماضي ومن كان فيه وما كان فيه . وقد كانت آخر الأيام الشعبية مع رياض الصلح ، يوم تقررت الانتخابات النيابية سنة 1943 وهي السنة التي تم فيها الاستقلال ، وكان يتنازع النفوذ في لبنان : الإنكليز والفرنسيون . ومن هنا كان لا بد من أن